لم يتعامل مع سمن ابو »شوكة وملعقة» حتى »الكولة والدافور» وبعدهما فرن الغاز ظل يعتبرها عملا لا يتفق وطبيعة طعامه الذي مازال يطبخ على الحطب أو الفحم..
عوائل اللحوم البيضاء، والجبنة والزيتون، وحتى الخضروات عدا القرع، والباذنجان، واحيانا الباميا لم تعرف طريقها الى جوفه، مازال سكنه بقريته المتواضعة بيتا من الطين.. أزواج من الماعز والغنم والدجاج، احواض يزرعها بنفسه قمحا وشعيرا وبرسيما، وخضرواته المحببة اليه..
في رمضان ظل فطوره تمراً وقهوة.. وبعده العشاء رز مخلوط بالقرع والباذنجان، او المرقوق أو الجريش، والسحور هريس، و(غضارة) لبن ماعز!..
في الأيام العادية فطوره تمر وزبد، والغذاء الذي يأتي عادة قبل صلاة الظهر، لحم ورز او لبن وتمر فقط. ابناؤه حاولوا اخراجه من عالمه شبه الفطري، عرضوا عليه بناء (فلة) مكان بيت الطين، واستراحة مكيفة، بدلا من العشّة، سيارة وسائق، وحتى طباخ..
قال معارضا كل هذه الاغراءات..
– »انا راض عن حياتي، وعن وفائكم لي، لكن حياتي لا تنسجم معكم.. والدتكم توفيت، وبقي لي ميراث والدي، وأنا أمين عليه والمحافظة على هيئته الى أن أموت»!..
جاره من جهة الشمال جذبته حياة المدينة، غادر القرية ومعها صورة الفقر والمعاناة، وظلام الليل الذي يريد مفارقته وهجره، لكنه عاد لقريته، لانه لم يدرك ان المدينة بقدرتها توفير صنف من الاصدقاء يستطيع بهم تعويض »جماعته» ورفاق طفولته وكهولته..
قال له صالح، وهما يجلسان تحت ظل شجرة أثل عجوز..
– ».. هاه يا علي (وضّبوا) ضروسك، وصبّغوا لحيتك وشواربك، ولبّسوك ثوب (بكبك وقلاب).. وكّلوك محشي وسمك، وقواطي لبن، وصلصلة، وقشطة أم سهم، لكن رجعت بدلا ان يكون عمرك خمسا وخمسين صار ستا وستين مع الخصم للدلال، ودخاترة المستشفى»!..
رد علي..
– ».. واللي ما تعرفه أكثر مصيبة، باقي أدخّن (بربورة) أو سجائر أبو بعيرين، ونوم بعد منتصف الليل إلى صلاة الفجر، وصفرة الى قبل الظهر.. المدنية ياصالح لا تعرف الا أمراض الضغط والسكر، ومرض المفاصل والعيون.. تصدق أول مرة أشوف (بزران) المدارس الابتدائية لابسين نظارات.. المدينة ديرة عميان ومرضى»!..
صالح والذي بحكم ثقافته واحتكاكه بعوالم كثيرة ترحل اليه بقريته، علق قائلا..
– ».. المدينة عمل وجامعات، وقرارات ووزارات، ومصانع، لكنها مجتمع ياكل روحه بروحه.. انا كفاني راحة البال من صكريرة الناس..»
قبل ان يكمل رد عليه (علي)..
– ».. الصّق اننا جنايز وغيرنا حيّ، ولا طلع شارب حفيدك حسّن حواجب امرتك»!..
الركض الى الأمام !!
الركض الى الأمام !!
في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

0 تعليق