استعرض بیان خدماته للاربعين عاما، بدأ في وظيفة «عسة» وجوال مع الذين
«يخرصون» النخل والغنم وبعض مزارع الشعير والقمح، قرأ رسالة تلقاها من امير «الخويا» عن فقدان عنزين مع الراعي (سالم) وبعير بحمله من التمر من قافلة (ونّاس) المطيري..
اختفت ابتسامته، وهو يستعرض بقية السنين .. جندي، وكيل عريف، وباعتباره طليعة زملائه استطاع ان يتجاوزهم بشجاعته وتعليمه الذي استطاع ان يدعمه بالقراءة والملاحظة، ليقفز الى وظيفة مدنْية كبيرة بعد ان اجاد المحاسبة والتدقيق..
شبح التقاعد يطارده لأن سرعة السنين قفزت به الى الاحساس بالشيخوخة رغم نظامه الصارم بالغذاء وممارسة رياضة المشي ..
لم يفاجأ وهو يستعرض القرار، مع خطاب شكر من رئيسه، ودعوة لحفلة من زملائه اعتبرها الوداع الأخير..
● ● ●
قال وهو يرى قامة ابنه الصغير ترتفع مزهوا بشعرات خفيفة اطلت على «شنبه«..
– «أهديك تجربة والدك بهذا الملف الكبير، اقرأ تاريخ العسّة والجندي ورئيس المحاسبة، ولاتدفن هذا الماضي خلف اسوار (فلتنا) او تمزقها بعجلات سيارتك«!َ!.
بغمغمة من يبلع لسانه وراء الكلمات رد الابن..
– «لقد اخترت الفصل الرابع من روايتي عن جيلك ومعاناتكم، سيرة ارض وانسان وتاريخ«..
ابتسم الأب الحكيم .. قال معقبا ..
– «انا لا اعطيك تاريخاً او بطولة .. اعطيك تجربة انسان قد تدركها قبل ان تنزلق قدماك الايام الى ضباب المستقبل»..
عقَّب الابن..
– «ومع ذلك فانت تفهم انك ابن مدرسة جيلك، وأنا نفس الطالب على زماني وايامي»..
اختفت الضحكة المجلجلة للشيخ وراء سعاله المتواصل، ومعها صمته الطويل..
الركض الى الأمام !!
الركض الى الأمام !!
في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

0 تعليق