»مشكور« أعطي هذا اللقب لأنه متسامح حتى بمن يعتدون عليه ويسخرون منه .. تناديه باسمه يقول:
»مشكور« .. تسأله يرد بنفس الكلمة ، ومعها ابتسامة عريضة تملأ وجهه .. »مشكور» كان لا يخفي اعجابه بأي عسكري (البدلة) الخضراء .. الأزارير اللماعة المشية المهيبة .. وأخيراً تلك التحية التي تقتضي رفع اليد مع رفع احدى القدمين وانزالها بسرعة لتحدث صوتاً خاصاً ..
يداوم »مشكور« على رؤية طوابير الصباح في »القشلة« القريبة من بيته ، يدهشه اكثر صوت الموسيقى ، وايقاع الحركة للصفوف المتراصة .. حتى في الشتاء لاحظ تبدل الملابس العسكرية بلون أخضر غامق وقماش ثقيل ، وأحياناً تعلو (البدلة بالطو) بسمك معقول..
هذه المناظر خلقت عند (مشكور) رغبة جانحة أن يكون جندياً في أي معسكر، حتى ولو كان بالربع الخالي . .
استعداداً لتلك اللحظة .. اشترى (بدلة) كاملة بعد أن رهن (شاتين وعنز) عند صديق له أقرضه المبلغ ..
لم تكن فرحته تقاس بشيء، وهو يستعرض نفسه أمام المرأة، حتى أنه قارن تكامله الجسماني بأولئك الأقزام الذين قاماتهم تقل عن قامته ، ومع ذلك فهم جنود وعرفاء، وأصحاب كلمة في التدريب الذي يشاهده صباحاً ومساء..
في »الشعيب» المملوء بالحصباء، کرش «بصطاره» الخشن، وهو يخطو للأمام والشمال واليمين .. رفع يده بالتحية ، وكان ظله يعكس تلك الحركة الرائعة .. التمارين الأولى التطبيعية احتاجت منه أكثر من أسبوع ..
»مشكور» لا يريد لأي شخص ان يطلع على هذا السر العظيم .. حتى أنه في الأسبوع الثاني ، حمل بندقية أبيه العتيقة ، وبدأ يتدرب على نفس الحركة التي شاهدها بطابور الجنود . .
○ ○ ○
مثل السراب ، اختفى (مشكور) .. فقدته الحارة والصغار، حتى زال ظل وجوده وذكراه من أي رأس .. فجاة انشقت عنه الأرض رأوه بكامل ثيابه العسكرية .. وبكامل ذلك الهوس الذي كان يهزي به ويسخرون منه .. لقد ظهر »مشكور» في أكثر من عاصمة عربية ولكن دون أن يسخر أحد بما يهزي به حيث أصبحت له الكلمة الأولى والأخيرة ..
الركض الى الأمام !!
الركض الى الأمام !!
في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

0 تعليق