منذ زمن!.

غرابيل | 0 تعليقات

»إشروه، وإلَّا كسرنا عصّه«.. جوقة الأطفال وراء زميلهم الذي ختم القرآن الكريم تردد هذه الأهزوجة وسط فرح اعتادت عليه طبقات المجتمع في المدينة الصغيرة..
المنزل الذي زين بسجاجيد الصوف، والكانون الكبير الذي احتشدت فيه دلال القهوة، وأباريق الشاي، كانت في انتظار »الخاتم« وزملائه في الكتاتيب..
الأم وبناتها، وخالات وعمات جندن طاقاتهن في الطحن والعجن، من أجل خبز يوم الختمة، والأطفال الصغار الذين اعتادوا على حصولهم على وجبة مشبعة، راودهم خوف من ان بيت زميلهم الفقير ليس بقدرته توفير وجبة خبز مع الشاي لهذا الحشد الكبير..
الأب الذي اعتبر نفسه أسعد الناس في هذا اليوم استعد لهذه المناسبة بشكل سري ليفاجىء بها الجميع.. باع عجل البقرة، وثلاثا من الماعز وخروفين، واختزن خمسة »شوالات« قمح من مزرعته الصغيرة ودفنها في دار التبن، تحسباً لهذه المناسبة..
الزوجة الطيبة، كل مالاح لها اليوم السعيد، تضرب كفاً بكف، فهي تعرف أن
زوجها الذي عجز عن تسديد الدين، ليس بقدرته أن يشتري مستلزمات حفل تنتظره كل الحارة، وبالتالي فهي لاتريد ان تعيد عليه سيرة الاقتراض، وحتى حليتها من الفضة التي ورثتها عن أمها بيعت في مناسبة أخرى..
»شروه، وإلَّا كسرنا عصّه« ظلت هذه الكلمات تطن برأس الأم، وكأنها نواح.. مكلومة على ابنها الوحيد، فهي لا تدري ما تعمل.. استشارت جارتها لعلها تجد عندها الحل، ولكن »الحال من بعضها« فالظروف متساوية..
قبل يومين من الاحتفال، كانت شوالات القمح، وذبيحتان من خلال بيت الطين.. الأم ذهلت تمتمت بالدعوات لفاعل الخير، ابتسامة الأب التي اتسعت للعالم كله ذكرت الزوجة تلك الساعات.. حيث زفوها ليلة عرسها للزوج الحبيب..
الحارة شهدت أحسن الاحتفالات في ذلك الموسم، حتى ان »المطوّع«، الذي حفظ الابن مجموعة من السور، وعلمه القراءة والكتابة، وبعض الأرقام تساءل عن حصته في الحفل الباذخ..
على عتبة الباب، وجمهور الحارة يخرج من الوليمة الكبيرة، كانت يد الابن الصغير تصافح معلمه، وكانت تخفي قرط أمه الذي قدمته مهراً »المطوع« لقاء هذا اليوم السعيد..
الرياض الاثنين 14 رمضان 1410

مقالات مشابههة

الركض الى الأمام !!

الركض الى الأمام !!

في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

ميزان الشيخ !

ميزان الشيخ !

تذكر حكاية أبيه عن جحا وحميره، كيف تنقص اذا كان راكبا أحدها، وتكتمل أعدادها اذا مانزل عن الحمار الذي يركبه.. ومع ان عزلته مع أحفاده، وبعض أشجار النخيل التي يراقبها وهي...

»أبو أذن« !

»أبو أذن« !

قال عليان المشفوح .. - »راح زماننا ملح.. من أول نحكي عن الجراد، والعشب وجماميل العيش والرز، والأقط، ونكتب تاريخ مواليد عيالنا بسنة الصخنة، والرحمة، والجدري، وربيع الدمنة،...

شارك برأيك

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *