تعود أن يكون صاحب السيادة في المنزل.. يقعد حيث يشاء، يعاقب وينهر الصغير والكبير، يفرض سلطته الأبوية بما يوجبه (الردع) وأحياناً (التراجع) وفق ظروف حياة أسرته الكبيرة وحالات الشتاء والصيف التي تسودها ..
الصغار تعلموا.. فتحوا مكتبته.. أدركوا أن السر بين العاطفة والعقل مجالهما الخطاب الموضوعي، ومن هنا خفت حدة الأب.. صار يعرف كيف يزن كلماته بين أبنائه الجامعيين،
وبناته ممن يقفن بنفس الندية مع أخوانهن..
تستهوي الأب اللامبالاة أحياناً، لأنه نشأ تكويناً خاصاً.. عاش حياة بيت الطين، والمعلمين الغلاظ الذين لا يؤمنون إلا بحفظ المتون، واستلاب شخصية الطالب بتلك الهالات التي تأخذ شبه القداسة، ولكنه أيضاً عرف أن ذلك التمايز يسقطه عرف تملك المعارف والوصول إلى قاع الثقافات العربية الأصيلة، وهو ما حدث مع كثير من أساتذته ومعلميه ..
شريط طويل من الذكريات استعاده في جلسته الانفرادية، أصبح جداً، ولم تكن تلك هي الصاعقة الوحيدة، ولكنه بدأ يفقد المعنى الذي يصله بالآخرين..
فتح علبة سجائره، وكالعادة أشعل واحدة، ولم يكن في ذلك أي خرق لقانون الأسرة..
الولد الكبير تأفف كاحتجاج صامت، والثاني ضمر موقفه بأنه لايجوز لأبيه ان يجعل التدخين وسيلة تستدعي ان يقلده اخوته الصغار..
لكن الاحتجاج الصامت والفاعل جاء من البنت، وكانت المفاجأة للأب أن يجد عند منفضة سجائره مدخنة عمرت بالبخور!.
ضحك الأب قال:
– »لعلها قضية جيل وزمن، وربما لم يعد بإمكاني، إلا الامتثال للواقع»!.
الركض الى الأمام !!
الركض الى الأمام !!
في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

0 تعليق