العاصوف!

غرابيل | 0 تعليقات

يجرجر خطواته الثقيلة بين الأزقة، مطوحا بيديه بالهواء، ورأسه الغارق بالكره للبشر، جعله يفترض نهاية لنفسه أي تكون خشبة مسرحها وأبطالها..
أطلقوا عليه (مكيال الفصفص) لقصر قامته التي يعلوها رأس ضخم وعينان صغيرتان حولاوان.. بقناعة مطلقة تأكد له أنه منبوذ، وعليه أن يتكيف مع الواقع ويتعايش مع الناس باعتباره حالة شاذة..
أسلحة القوة التي يمكن أن يرفعها أمام خصومه، سقطت بحكم تركيبته الجسمية، حتى الحيل، وبراعة استغلالها في الدفاع فقط جاءت بألوان غير مناسبة..
موهبة واحدة فقط يمتلكها.. الحفظ بشكل خارق، ولكن هذه الطاقة ظلت معطلة إلى أن تصادف أن قبلت به أرملة عاقر أرادت أن تتستر به كزوج.. ولأول مرة يشعر أنه يدخل منطقة الأمان، ويشعر بوجوده كجسم متحرك يدب على الأرض..
وبالرغم من عمق التعاسة التي حفرت أخاديدها في نفسه، إلا أن براءته من أحكام القسوة التي طبقت عليه، قد أشعرته أنه حر مطلق اليدين..
عكف على التقاط وحفظ عيوب سكان حارته، خالط الدلالين وطلبة الكتاتيب.. ووجد ضالته في الشعر النبطي يقسمه مواريث للحب، والشتيمة والانتقام..
أجاد استخدام هذا السلاح، واختار الأصناف البشرية من سكان مدينته ممن يصلحون لهذا الدور، شاع شعره وصار كل يلزم حدود سلوكه أمام صاحب (العاهة الجبار)..
أصبح كالوباء المستأصل، ولأول مرة يشعر أنه قوي، وأن هذا هو الحكم الطبيعي للبشر..
داهنه التجار، وميسورو الحال، وتحول جمهوره من الفقراء إلى جوقة تلتقف أي بيت، لتعد عليه حكاية طويلة.. رؤى.. وأحلام، وتهم تصل إلى أقصى الأهداف.. تحول إلى شخصية أسطورية، ولكن الجبروت انهار سريعاً حين ماتت العاقر الحبيبة، ومعها انطوى سجله.. عاد متسكعاً يهذي ببعض أشعاره ينقر على صفيحة صدئة، حكايته مع الحب الذي غاب، وكان آخر أمجاده ذلك الكفن الذي خرج صامتاً يحمله فاعلو الخير ليدفن في زاوية مجهولة من مقبرة المدينة، ويكتب على قبره، مات (مكيال الهبيد).. في العام التالي من عام الرحمة..

مقالات مشابههة

الركض الى الأمام !!

الركض الى الأمام !!

في البلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، نجد الكل يركض، والجميع مطاردون بحركة الزمن، حتى أن المسافات بين القرية والمدينة، او المصنع ومقر السكن مرتبة بموعد الحافلات والقطارات...

ميزان الشيخ !

ميزان الشيخ !

تذكر حكاية أبيه عن جحا وحميره، كيف تنقص اذا كان راكبا أحدها، وتكتمل أعدادها اذا مانزل عن الحمار الذي يركبه.. ومع ان عزلته مع أحفاده، وبعض أشجار النخيل التي يراقبها وهي...

»أبو أذن« !

»أبو أذن« !

قال عليان المشفوح .. - »راح زماننا ملح.. من أول نحكي عن الجراد، والعشب وجماميل العيش والرز، والأقط، ونكتب تاريخ مواليد عيالنا بسنة الصخنة، والرحمة، والجدري، وربيع الدمنة،...

شارك برأيك

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *